صفي الرحمان مباركفوري

280

الرحيق المختوم

الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [ الأحزاب : 12 ] . وخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ثلاثة آلاف من المسلمين ، فجعلوا ظهورهم إلى جبل سلع فتحصنوا به ، والخندق بينهم وبين الكفار . وكان شعارهم : « هم لا ينصرون ؛ واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، وأمر بالنساء والذراري فجعلوا في آطام المدينة . ولما أراد المشركون مهاجمة المسلمين واقتحام المدينة ، وجدوا خندقا عريضا يحول بينهم وبينها ، فالتجئوا إلى فرض الحصار على المسلمين ، بينما لم يكونوا مستعدين له حين خرجوا من ديارهم ، إذ كانت هذه الخطة - كما قالوا - مكيدة ما عرفتها العرب ، فلم يكونوا أدخلوها في حسابهم رأسا . وأخذ المشركون يدورون حول الخندق غضابا ، يتحسسون نقطة ضعيفة ، لينحدروا منها ، وأخذ المسلمون يتطلعون إلى جولات المشركين ، يرشقونهم بالنبل ، حتى لا يجترئوا على الاقتراب منه ، ولا يستطيعوا أن يقتحموه ، أو يهيلوا عليه التراب ، ليبنوا به طريقا يمكنهم من العبور . وكره فوارس من قريش أن يقفوا حول الخندق من غير جدوى في ترقب نتائج الحصار ، فإن ذلك لم يكن من شيمهم ، فخرجت منها جماعة فيها عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب وغيرهم ، فتيمموا مكانا ضيقا من الخندق فاقتحموه ، وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع ، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم ، ودعا عمرو إلى المبارزة ، فانتدب له علي بن أبي طالب ، وقال كلمة حمي لأجلها - وكان من شجعان المشركين وأبطالهم - فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه ، ثم أقبل على عليّ ، فتجاولا وتصاولا ، حتى قتله علي رضي اللّه عنه ، وانهزم الباقون حتى اقتحموا من الخندق هاربين ، وقد بلغ بهم الرعب إلى أن ترك عكرمة رمحه وهو منهزم عن عمرو . وقد حاول المشركون في بعض الأيام محاولة بليغة ، لاقتحام الخندق ، أو لبناء الطرق فيها ، ولكن المسلمين كافحوا مكافحة مجيدة ، ورشقوهم بالنبل وناضلوهم أشد النضال حتى فشل المشركون في محاولتهم . ولأجل الاشتغال بمثل هذه المكافحة الشديدة فات بعض الصلوات عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين ، ففي الصحيحين عن جابر رضي اللّه عنه : أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق ، فجعل يسب كفار قريش . فقال : يا رسول اللّه ما كدت أن أصلي حتى